الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

108

محجة العلماء في الأدلة العقلية

بين النّاس بعنوان القرآنيّة بحيث يخفى عليهم الحقّ ويلتبس بالباطل فظهر انه لا كلام في التغيير الواقعي في الكلّى ولا في الجزئي الواقعي ولا في عدم انطباق بعض ما يعدّ جزئيا على الكلّى وانما البحث في التباس الحق بالباطل على الجميع أو الأكثر فظهر ان محلّ النزاع اشتبه على ابن طاوس قده حيث قال في سعد السّعود بعد ما حكى عن الجبائي ان محنة الرّفضة على ضعفاء المسلمين أعظم من محنة الزّنادقة ثم شرع يدعى بيان ذلك بان الرفضة تدعى نقصان القرآن وتبديله وتغييره فيقال له كلّما ذكرت من طعن واقداح على ما يذكر انّ القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجّه على سيّدك عثمان بن عفان لان المسلمين اطبقوا على انّه جمع النّاس على هذا المصحف الشريف واحرق ما عداه من المصاحف فلو لا اعتراف عثمان بانّه وقع فيه تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف يحرق وكانت متساوية انتهى موضع الحاجة فان وقوع الغلط والاشتباه في بعض المصاحف وبالنسبة إلى بعض من الضروريّات ولم ينازع فيه أحد فلا يرد النقض به عليهم فافهم والالتباس له جهتان اختفاء القرآن وقيام غيره مقامه والحق امكان الامرين عقلا وعادة حتى بالنسبة إلى جميع القرآن اما الأول فلان الاستحالة اما من جهة انّه حقّ والحق لا يخفى وامّا من جهة انه معجزة النبوّة وخفائه ينافي قيام الحجّة امّا امكان اختفاء الحقّ على جميع النّاس في الجملة فممّا لا ريب فيه قال اللّه تعالى ) ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) ( بل من المسائل مما هو من الغيب الّذى استأثر به الرّبّ تعالى لا يظهر على غيبه أحد الّا من ارتضى وبالجملة فالحقّ من حيث هو كذلك لا ريب في امكان اختفائه على جميع النّاس بل وقوعه بل كون المجهول أكثر من المعلوم فالكتاب العزيز لا مانع من اختفائه من هذه الجهة اما كونه معجزا بل عمدة المعجزات بل انحصار المعجزة فيه فمرجع الكلام في ايجابه الظهور واقتضائه استحالة الاختفاء لا استحالة قصور الناس في العقائد وهو من أضعف العقائد على ما حققناه في مقامه فانّ اللّه تعالى لا يجب عليه الّا نصب الطّريق بحيث يتمكّن العباد من السّلوك في الجملة واما صونه من الاختفاء بحيث يستحيل فلا كما أنه لا يجب تمكين كل أحد من السّلوك بجميع الشرائط ودفع الموانع وتوضيح الحال يتوقف على تشييد الاستدلال فأقول موجزا للمقال ان الحكيم المتعال قال ) و ( ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ) ( بل انما خلق جميع ما في عالم الكون والفساد للعالم الصّغير الذي هو الانسان وخلق الانسان لأجله اى لمعرفته فالمعرفة غاية الايجاد كما يشهد له مضمون ) ( كنت كنزا مخفيّا فأحببت ان اعرف ) و ( يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لاجلى ) ( وما ورد في تفسير قوله تعالى ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) من قوله عليه السّلام اى ليعرفون فان المعنى واللّه اعلم أن المعرفة غاية الغاية فالعبادة وان كانت غاية للخلق ولكنها معلولة أيضا للمعرفة فكأنه تعالى قال خلقت الجنّ والانس ليعبدون ليعرفون فان حق اليقين له مراتب يتقدم بعضها على العبادة ويتأخّر بعضها عنها فحق اليقين لا يحصل الّا بالعبادة الكاملة وتهذيب النفس عن الرذائل وتحلّيها بالفضائل قال اللّه تعالى ) ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) ولا ينافيه التفسير بالموت فافهم هذا ما أدى اليه النظر اوّلا والتحقيق انه فرق بين التعبّد والعبادة فالعمل تعبّد والعبادة عبارة عن اتخاذه إليها فقوله عزّ من قائل ) ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ) ( الآية معناها ان دين القيّمة هو التوحيد فما أمروا الّا بان لا يعبدوا سوى اللّه وهذا معنى الحنيف الذي يقابله الشرك وقد بيّناه في كتاب الطهارة من ودائع النبوّة وبالجملة فالمطلب في غاية الوضوح ولا يلائم المقام بسط الكلام فعدم تمكين اللّه تعالى عباده من معرفته والتّصديق بنبوّة